ابن الزيات
66
التشوف إلى رجال التصوف
وكان عليه قميص بلا كمّين ومئزر شبه لون الورس فقلت له : من أين لك هذا ؟ فقال : يأتيني به في كل سنة هذا الطائر ، وكان عنده مسلة يخيط بها . فلما كان ليال دخل عليه سبعة أنفس بثيابهم وشعورهم وعيونهم مشققة بالطول ليس فيها دوارة . فسلموا ، فقال لي : لا تخف ، فهؤلاء الجن . فقرأ عليه واحد منهم طه ، والآخر الفرقان ، وتلقن الآخر منه شيئا من سورة الرحمن ثم مضوا . فقلت له : كم لك في هذا الجبل ؟ قال : أربعين سنة ؛ كنت فيها عشر سنين بصيرا ، وكنت أجمع في الصيف من هذه المباحات إلى هذا الكهف . فلما ذهب بصرى بقيت أياما لم أذق شيئا حتى جاءني هؤلاء فقالوا لي : قد رحمناك ، دعنا نحملك إلى حمص أو دمشق . فقلت : اشتغلوا بما وكلتم له . فلما كان بعد ساعة ، جاءني هذا الطائر الذي رأيته بتفاحة فطرحها في حجري فقلت : لا تشغلنى ، اطرحها ثمّ إلى وقت حاجتي إليها . ثم قال لي : وقد قال هؤلاء : إن القرمطي دخل مكة وقتل بها وفعل وصنع . فقلت : قد كان ذلك ، وقد كثر الداعاء عليه ، فلم منع الناس الإجابة فيه ؟ فقال : لأن فيهم عشر خصال فكيف تستجاب لهم دعوة ! فقلت : وما هي ؟ قال : الأولى : أقروا باللّه عز وجل وتركوا أمره . والثانية : قالوا : نحب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يتبعوا سنته ؛ وقرأوا القرآن ولم يعملوا به ؛ وقالوا : نحب الجنة وتركوا طريقها ؛ وقالوا : نكره النار ، وزاحموا طريقها ؛ ودفنوا أمواتهم ولم يعتبروا بهم ؛ وقالوا : إن إبليس لنا عدو ، ووافقوه ؛ واشتغلوا بعيوب إخوانهم ونسوا عيوبهم ؛ وجمعوا المال ونسوا الحساب ؛ وبنوا القصور ونسوا القبور . فأقمت عنده أربعة وعشرين يوما في أطيب عيش . فلما كان الرابع والعشرون قال لي : كيف وصلت إلى هنا ؟ فحدثته بحديثى . فقال لي : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، لو علمت أن قصتك هذه لم أقررك عندي ، شغلت قلوبهم ، ورجوعك إليهم أفضل مما أنت فيه . فلست أشك أن القوم قد ندموا في أمرك . فقلت له : إني لا أعرف الطريق . فسكت . فلما كان عند طلوع الشمس قال : قم ! فقلت : إلى أين ؟ قال : تمضى . قلت : أوصني . قال : إذا حججت وكانت الزيارة فاطلب عند المقام أو بين المقام وزمزم رجلا أشعريّا خفيف العارضين بعد العصر فتقرئه منى السلام واسأله أن يدعو